الشوكاني

388

فتح القدير

الإمام التي يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخلف . وقال قطرب والزجاج : معنى خلاف رسول الله مخالفة الرسول حين سار وأقاموا ، فانتصابه على أنه مفعول له : أي قعدوا لأجل المخالفة ، أو على الحال مثل وأرسلها العراك : أي مخالفين له ، ويؤيد ما قاله الأخفش ويونس قراءة أبي حيوة خلف رسول الله . قوله ( وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ) سبب ذلك الشح بالأموال والأنفس ، وعدم وجود باعث الإيمان وداعي الإخلاص ووجود الصارف عن ذلك ، وهو ما هم فيه من النفاق ، وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين لأموالهم وأنفسهم في سبيل الله لوجود الداعي معهم وانتفاء الصارف عنهم ( وقالوا لا تنفروا في الحر ) أي قال المنافقون لإخوانهم هذه المقالة تثبيطا لهم وكسرا لنشاطهم وتواصيا بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله ، ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم ( نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ) والمعنى : أنكم أيها المنافقون كيف تفرون من هذا الحر اليسير ، ونار جهنم التي ستدخلونها خالدين فيها أبدا أشد حرا مما فررتم منه فإنكم إنما قررتم من حر يسير في زمن قصير ، ووقعتم في حر كثير من زمن كبير ، بل غير متناه أبد الآبدين ودهر الداهرين . فكنت كالساعي إلى مثعب * موائلا من سبل الراعد وجواب لو في ( لو كانوا يفقهون ) مقدر : أي لو كانوا يفقهون أنها كذلك لما فعلوا ما فعلوا . قوله ( فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ) هذان الأمران معناهما الخبر ، والمعنى ، فسيضحكون قليلا ويبكون كثيرا ، وإنما جئ بهما على لفظ الأمر للدلالة على أن ذلك أمر محتوم لا يكون غيره ، وقليلا وكثيرا منصوبان على المصدرية أو الظرفية : أي ضحكا قليلا وبكاء كثيرا ، أو زمانا قليلا وزمانا كثيرا ( جزاء بما كانوا يكسبون ) أي جزاء بسبب ما كانوا يكسبونه من المعاصي ، وانتصاب جزاء على المصدرية : أي يجزون جزاء ( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ) الرجع متعد كالرد والرجوع لازم ، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها وإنما قال ( إلى طائفة ) لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين لهم أعذار صحيحة ، وفيهم من المؤمنين من لا عذر له ، ثم عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتاب الله عليهم كالثلاثة الذين خلفوا ، وسيأتي بيان ذلك . وقيل إنما قال : إلى طائفة ، لأن منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف ( فاستأذنوك للخروج ) معك في غزوة أخرى بعد غزوتك هذه ( فقل ) لهم ( لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) أي قل لهم ذلك عقوبة لهم ، ولما في استصحابهم من المفاسد كما تقدم في قوله - لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا - . وقرئ بفتح الياء من معي في الموضعين . وقرئ بسكونها فيهما ، وجملة ( إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ) للتعليل : أي لن تخرجوا معي ولن تقاتلوا لأنكم رضيتم بالقعود والتخلف أول مرة ، وهي غزوة تبوك ، والفاء في ( فاقعدوا مع الخالفين ) لتفريع ما بعدها على ما قبلها ، والخالفين جمع خالف كأنهم خلفوا الخارجين ، والمراد بهم من تخلف عن الخروج . وقيل المعنى : فاقعدوا مع الفاسدين ، من قولهم فلان خالف أهل بيته إذا كان فاسدا فيهم ، من قولك خلف اللبن : أي فسد بطول المكث في السقاء . ذكر معناه الأصمعي . وقرئ ( فاقعدوا مع الخلفين ) وقال الفراء : معناه المخالفين . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عروة أن عبد الله بن أبي قال : لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله ، وهو القائل - ليخرجن الأعز منها الأذل - فأنزل الله ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لأزيدن على السبعين ، فأنزل الله - سواء عليهم استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم - ،